الفنان السوري بسام داود لبودكاست آرابيا: الإنترنت مساحة الفن القادمة، ورجائي من الشباب الاستمرار

يعتبر الفنان بسام داود حالة خاصة في المشهد الفني العربي. فهو يجمع بين التمرد الفني والتمرد على الرتابة والقيود على حرية الفنان. كان من أوائل الفنانين المعلنين لانحيازهم إلى خيار الشعب السوري في التغيير، ودفع ثمن ذلك بمضايقات دفعته إلى مغادرة البلاد. يقدم داود حاليا عروض حكواتي في عدة مدن آوربية، إضافة إلى مفاجأته للجمهور العربي العام الماضي ببرنامج رمضاني مميز يدس في طيات خفة دم رحلة "أبو فاكر" في التاريخ عبر شوارع باريس العديد من المقاربات التاريخية للثورة الفرنسية مع نظيراتها في دول الربيع العربي. تواصلنا مع الفنان الذي لم يبد أي تحفظات على أسئلتنا، وكان لنا معه هذا الحوار:

 

الجمهور العربي يعرف بسام داود منذ سنوات عبر ظهوره التلفزيوني الذي أعطاه مدى انتشار أكبر. مؤخرا قل الإنتاج وغبت عن الشاشة، كيف يمكن أن تضع محبيك في صورة يومياتك الحالية؟

بسام داود: أنا مقيم في برلين منذ حوالي السنتين، هذا أثر ولا شك على تواجدي على الشاشة لأني ابتعدت عن ساحة الانتاج التلفزيوني، لكن هذا ليس السبب الوحيد، هناك عدة أسباب أخرى أهمها التهميش المتعمد الذي مورس تجاهي أنا وعدة فنانين آخرين  قرروا ألا يسكتوا على الظلم وأن يعبروا عن رأيهم بوضح شديد منذ بداية الثورة السورية، ولجوء النظام إلى الحل العسكري والقمعي بمواجهة مطالب الشعب السوري، مما ورط البلد في مرحلة سيئة من الاقتتال والدمار، وفي النهاية هذه الضغوطات والملاحقات أجبرتني على مغادرة بلدي سوريا لكني مستمر بمحاولة خلق مساحات جديدة كي أبقى متواجدا فنياً وأعبر عن رأيي

فاجأتنا قبل أشهر ببرنامج "أبو فاكر فوياج"، رحلة في المكان والزمان تحفر في التاريخ الفرنسي وتسقطه بشكل أو آخر مع الوضع السوري الحالي، كيبف جاءت الفكرة ولماذا الثورة الفرنسية تحديدا؟

بسام داود: الحقيقة الفكرة الأساسية فكرة الغوص في ثورات الشعوب الأخرى، بدأت بعد حوالي سنة من بداية الثورة السورية. وقتها بدأت البحث في تاريخ الشعوب التي خاضت ثورات، أردت أن أعرف هل ما يجري في سوريا مختلف عن المجتمعات الأخرى؟ وهل نحن فعلاً نقوم بثورة؟ وهل هناك دروس يمكن أن نتعلمها من غيرنا؟ الكثير من الأسئلة كانت تدور في رأسي، لذلك بدأت الغوص في هذه الحكايات وكتب التاريخ. حاولت أن أستخلص منها الدروس كي نستفيد منها في ثورتنا. من ثم تواصلت أنا والمخرجة إيناس حقي التي كانت ترغب في إنجاز عمل مصور مع شخصية "أبو فاكر / الحكواتي" الذي أقدمه على راديو سوريالي / وبدأنا نتناقش حول الشكل الممكن لهذا العمل، وكيف يمكن أن يتناسب مع ما يجري، ثم وصلنا إلى هذه النتيجة. الحكواتي الحديث الذي يغوص في تاريخ الشعوب الأخرى ليقرأ تفاصل ربما غابت عن الاعلام ويصنع مقارنات ربما تساعد في إيصال هذه الدروس للناس وتحفيزهم على البحث بأنفسهم عن الأجوبة التي يريدونها.
أما سبب اختيارنا للثورة الفرنسية، فيعود ربما لأنها تبقى دائماً المثل الأشهر الذي يساق عند الحديث عن الثورات، وكثير من الناس عندما أرادوا مهاجمة ثورة الشعب السوري كانوا يقارنوها بالثورة الفرنسية، ليثبتوا أن ما يجري بسوريا ليس ثورة، فأردنا أن نضعهم في جو مقارنة بعد تفحيص دقيق في التفاصيل، لنجد أن كل الثورات تتشابه في سلبياتها وإيجابياتها، لكن السلبيات تكون أسرع في الظهور بينما الإيجابيات تحتاج لزمن حتى تتضح وتؤثر.

البرنامج عرض حصريا عبر يوتيوب، هل هذا إيمان منك بأهمية هذه المنصة أم أن طبيعة البرنامج في حد ذاتها تستوجب مساحات حرية لا يستوعبها الإعلام التقليدي؟

بسام داود: الأمر بين هذا وذالك. أولاً أنا من المؤمنين أن التلفزيونات التقليدية باتجاه الضمور، وأن الانترنت هو المساحة القادمة للفن والإعلام. هذا الأمر يحدث حاليا في أوربا وأمريكا وعالمنا العربي بدأ منذ عدة سنوات وهناك تجارب مهمة في هذا المجال، لكننا مازلنا بعيدين قليلاً. أتصور أنه مع الزمن سيكون لليوتيوب وأعمال الانترنت المساحة الأكبر من التلفزيونات. النقطة الثانية هي أن الاعلام التقليدي أصبح متعباً ومقيداً لحرية الحركة والعمل، لاشك أنه يقدم دعما جيدا على الصعيدين المادي والخدماتي والانتشار حالياً، لكن في كثير من الحيان تكون شروطه لتبني العمل قاتلة للعمل بحد ذاته. إلى غاية عثوري على مؤسسة مستعدة لتبني أعمالي وأفكاري دون شروط، سأبقى أعمل على الإنترنت.

ماذا عن راديو سوريالي، وبقية البرامج التي ينتجها؟ وهل لديك أعمال أخرى تشتغل عليها موجهة للعرض على يوتيوب؟

بسام داود: راديو سوريالي هو مشروع شبابي حر بدأ بعد الثورة السورية بسنتين تقريباً. هدفنا من تأسيسه هو إيجاد مساحة إعلامية حرة تدعم الحقيقة دون تحيز. هدفها التأكيد دوماً على وحدة السوريين وتنوعهم وأهمية هذا التنوع لبناء سوريا متكاملة وقوية، توجهنا مجتمعي كامل، بعيداً عن الشكل الاعلامي التقليدي والإخباري. نحاول تعزيز قيم الأمل والمساعدة والدعم الذي يقدمه السوريون لبعضهم البعض. نحاول عن طريق تنوع برامجنا تغطية جميع جوانب حياة الإنسان السوري، من مناطق الحصار إلى المدن الواقعة تحت سيطرة النظام والمناطق الخارجة عن سيطرته، وصولاً إلى دول اللجوء والدول الأوربية وحتى أميركا، ونقل كل تفاصيل حياة السوريين وأحلامهم. بدأنا التخطيط للموسم الثاني من أبو فاكر فوياج، لكن أظن أنه لن يكون جاهزاً للعرض في هذا الموسم الرمضاني .

هناك برامج كثيرة انتقدت ممارسات النظام السوري الحالي بعضها يبث من سوريا، هل أنت على إطلاع عليها وما رأيك بها؟

بسام داود: الحقيقة لا تتاح لي الفرصة لمتابعة جميع البرامج والأعمال التي يتم إنتاجها، لكن بالعموم أبذل جهدي كي أبقى على معرفة كل جديد. هناك نشاط جميل جداً في شمال سوريا، حلب وإدلب وريفهما، وقيام العديد من الشباب بإنتاج أعمال إذاعية وبرامج فيديو تبث على الانترنت، ينقلون فيها واقع الانسان السوري حالياً، والجميل أنهم يوجهون انتقادات للنظام السوري، وكذلك للمعارضة، أو القوى التي تسيطر على المناطق التي يعملون بها، وهذا يعرضهم للكثير من الأخطار والملاحقات من الجميع.

بعض هذه البرامج تبث من داخل سوريا لكن بهويات مخفية، هل تجد أن هذا هو الحل الحالي خاصة بعد تعرض اليوتيوبر عبد الوهاب الملا للاختطاف منذ سنوات بسبب بودكاست انتقد فيه النظام السوري؟

بسام داود: كما سبق وقلت أن الجرأة في الانتقاد تعرض صاحبها للملاحقة من الجميع، للأسف حتى القوى المعارضة أو التي تصنف نفسها معارضة للنظام وقامت بالسيطرة على بعض المناطق، مثل جبهة النصرة مثلاً تقوم بنفس الممارسات القمعية التي يمارسها النظام، لذلك اضطر العديد من الشاب للعمل بأسماء مستعارة وبسرية تامة، كما الحال عندما كنت أعمل في سوريا، كنت أضع ماسك فوق صوتي وأغيره وأعمل بأسماء مستعارة مختلفة. للأسف القمع الفكري والترهيب الممارس في عالمنا العربي منع الكثير من المواهب من الظهور

كيف تجد اليوتيوب العربي عموما، وهل هناك برامج استوقفتك أفكارها أو جودة صناعتها؟

بسام داود: آنا أجده متنفساً مهماً لإظهار مواهب الشباب العربي، لكن للأسف لغاية الآن الفيديوهات الأكثر انتشاراً هي الفيدوهات التي تملك عناوين مثيرة وتلعب على الغريزة الجنسية، و الأمر هذا مؤسف جداً. رغم هذا لدي أمل أنه بعد وقت قليل سوف تبدأ الأعمال الفنية بفرض نفسها وأخذ مساحتها الحقيقية على اليوتيوب. اما البرامج التي استوقفتني فهي كثيرة، بالعموم انا احب اي شيء فيه ابتكار، لا أحب التقليد الأعمى. هناك شباب جميلين قدموا أعمالا اصيلة تتناسب مع مجتمعاتهم وأفكارهم. أحب دائماً متابعتهم والتعرف على جديدهم، وأتمنى لهم أرجوكم استمروا فهذا الطريق صعب لكنه يحتاج منا الاستمرار كي يكون سهلاً للجيل الذي يأتي بعدنا.

 

اقرأ أيضا: حوار غير متقشف مع أنس تينا Anes Tina حول فيديو التقشف

لقراءة المزيد من الحوارات الحصرية اضغط هنا